حصري:

بقلم: الإعلامية أمل حسن
في المشهد السياسي المعقد لشبه الجزيرة العربية، يتردد السؤال بإلحاح: ما الذي يمكن أن يفعله الحوثي بالمملكة العربية السعودية مستقبلاً؟ وهل يحمل هذا المشروع مقومات النجاح أم بذور الفشل الحتمي؟ إن الإجابة عن هذه المسألة تتطلب تجاوز لغة الشعارات والمواقف الانفعالية، والنظر بعين فاحصة إلى توازنات القوة الصلبة، ومصالح الجغرافيا السياسية، والتحولات الكبرى التي تعيشها المنطقة.
أولاً: أوهام “الهيمنة” وأهداف المناورة التكتيكية
لا يملك الحوثيون، لا نظرياً ولا عسكرياً، القدرة على تهديد بقاء الدولة السعودية أو استقرارها الجغرافي والسياسي؛ ففارق القوة شاسع على المستويات كافة. وما يسعى إليه الحوثي في الحقيقة ينحصر في مسارين:
-
فرض معادلة اشتباك غير متكافئة: توظيف الصواريخ والمسيّرات كسلاح ردع سياسي، يهدف إلى إرباك الجوار وإجبار الرياض على التعامل معهم كأمر واقع دائم في شمال اليمن.
-
انتزاع مكاسب نفعية واقتصادية: محاولة تحويل التهديد الأمني إلى ورقة ضغط لتمويل مناطق نفوذهم ودفع الرواتب وفتح الموانئ، إضافة إلى خدمة أجندات المحور الإقليمي الذي يرتبطون به وظيفياً.
-

ثانياً: الفشل الاستراتيجي والنجاح التكتيكي المحدود
عند تقييم مسار الحوثي بين النجاح والفشل، تتضح معالم الصورة من زاويتين متمايزتين:
-
النجاح التكتيكي المؤقت: استطاعت الجماعة البقاء العسكري في بيئة جغرافية وعرة، واستغلال حرب العصابات والأسلحة منخفضة التكلفة لرفع كلفة المواجهة الدفاعية، محققة حضوراً إعلامياً يُوظَّف داخلياً للتعبئة الأيديولوجية.
-
الفشل الاستراتيجي المستدام: يكمن في عجز الجماعة عن التحول من “ميليشيا عقائدية متمردة” إلى “دولة قابلة للحياة”. إن عزل اليمن عن محيطه الطبيعي ورهنه لمصالح خارجية خلق أزمة اقتصادية وإنسانية خانقة، تجعل من أي نفوذ عسكري مكسباً هشاً يفتقر إلى مقومات الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي على المدى البعيد.
ثالثاً: العقيدة السعودية الجديدة.. إدارة الصراع بأفق التنمية
تتعامل الرياض مع التهديد الحوثي وفق عقيدة استراتيجية تحولت جذرياً من سياسات رد الفعل العسكري المباشر إلى إدارة النزاعات بحسابات الكلفة والمردود؛ حيث تبرز محددات هذه الرؤية في:
-
حماية المسار التنموي ورؤية التحول الوطني: تدرك القيادة السعودية أن استدامة المشروعات الكبرى وجذب الاستثمارات العالمية يتطلبان “تصفير الأزمات” الإقليمية، وتفكيك بؤر التوتر الحدودية عبر مسارات دبلوماسية مدعومة بقدرات ردع دفاعية متطورة.
-
نزع الذرائع السياسية: من خلال قيادة الوساطات وطرح خارطة طريق شاملة للسلام، وضعت السعودية جماعة الحوثي أمام اختبار المسؤولية؛ فالرياض اليوم تتعامل مع الملف اليمني من موقع الفاعل الاقتصادي والضامن الإقليمي للتهدئة، مجردةً خطاب الحوثي من ذريعة “مواجهة العدوان الخارجي”.
رابعاً: مأزق الحوثي الداخلي.. ارتداد السلاح إلى الداخل
إن الأفق المستقبلي لجماعة الحوثي لا يصطدم فقط بتفوق الردع السعودي، بل بمحددات الجغرافيا والبيئة الاجتماعية اليمنية نفسها:
-
فقدان الحاضنة الشعبية: مع تراجع حدة العمليات العسكرية على الحدود، تتجه أنظار المجتمع اليمني في مناطق سيطرة الحوثيين نحو الأسئلة الملحة: التعليم، الصحة، الوظائف، والخدمات الأساسية. وحين يعجز السلاح عن توفير رغيف الخبز، يتحول الاحتقان المجتمعي إلى قنبلة موقوتة تهدد شرعية الجماعة من الداخل.
-
الارتهان الوظيفي للإقليم: يضع الحوثيون مصيرهم رهناً بتقلبات التفاهمات الإقليمية الكبرى؛ فأي تقارب بين القوى الفاعلة في المنطقة قد يحول أذرع الوكالة المسلحة إلى عبء سياسي يتم التفاوض على تقليص نفوذه أو تجميد أدواره.
يتبين جلياً أن ما يملكه الحوثي تجاه السعودية لا يتعدى كونه قدرة على “المشاغبة الأمنية” وإثارة القلق التكتيكي، وهو أبعد ما يكون عن تشكيل تهديد بنيوي قادر على كسر التوازنات الجيوسياسية. إن مستقبل هذا المشروع محكوم بأسوار بنيته الضيقة؛ فحركات التمرد قد تنجح في إشعال الحروب وإدامة الفوضى، لكنها تعجز حتماً عن بناء استقرار أو هزيمة دول تملك عمقاً جغرافياً واقتصادياً وشرعية راسخة. وبذلك، يبقى التهديد الحوثي مجرد سراب سياسي يتلاشى أمام متطلبات الواقع وبناء الدولة.
مصدركم الأول للأخبار — البوابة.
