
بقلم: شحاته زكريا
امتلكت الحروب في الماضي لحظة بداية لا تخطئها عين ولا أذن؛ صفارة إنذار تدوي، طائرة تخرق المجال الجوي، مدفع يطلق قذيفته الأولى، أو جحافل مشاة تتحرك في اتجاه مرصود. كان الناس يدركون وقوع الحرب لأن شواهدها كانت مرئية ومسموعة. اليوم، تتغير تلك القواعد جذرياً؛ فقد تندلع المعركة في مساحة لا يراها أحد، وفي لحظة لا ينتبه إليها إنسان. شاشة تفقد اتصالها، شبكة طاقة تخرج عن الخدمة، بيانات استراتيجية تتسرب، اضطراب مفاجئ في الأسواق، شائعة مدبرة تنتشر، أو حسابات رقمية وهمية توجه الوعي الجمعي لتصديق رواية موجهة. وبينما تنصرف الأنظار للبحث عن الصواريخ والمقاتلات، تكون المعركة الخفية قد قطعت شوطاً حاسماً نحو أهدافها.
لا يعكس هذا الطرح مبالغة استشرافية، بل محاولة لقراءة تحولات الحاضر. لم تعد القوة تُقاس بحجم الأساطيل وأعداد الدبابات فحسب، بل أعيد توزيعها على مساحات جديدة تشمل التكنولوجيا، والطاقة، والتدفقات المالية، والمعلومات، وسلاسل التوريد، والموانئ، وكابلات الاتصال البحرية، والبيانات الحيوية، وصولاً إلى قدرة المجتمع على الحفاظ على تماسكه الداخلي وقت الأزمات.
وهنا يعاد تعريف الأمن القومي بصورة جذرية؛ فالدولة القوية في القرن العشرين تميزت بقدرتها على خوض المعارك العسكرية وحسمها ميدانياً، أما الدولة الأكثر استعداداً للقرن الحادي والعشرين فهي القادرة على منع خصومها من شل شريان حياتها اليومية. فما جدوى امتلاك ترسانة عسكرية ضخمة إذا كانت الخدمات الحيوية مهددة بالشلل إثر هجوم سيبراني خاطف؟ وما قيمة بنية اقتصادية واسعة إن كانت خطوط الإمداد لمصانعها مهددة بالانقطاع عند أول هزة دولية؟ وما فاعلية أحدث شبكات الاتصال إذا عجز المواطن عن تمييز الحقيقة من التضليل؟
لم تعد هذه التساؤلات ترفاً نظرياً؛ إذ أثبتت الصراعات الراهنة أن اختراق العمق الاستراتيجي للدول لم يعد مشروطاً باجتياز الحدود الجغرافية، بل يمكن تنفيذه عبر خادم شبكي، أو سوق مالية، أو منصة رقمية، أو حملة تزييف ممنهجة. من هذا المنطلق، تشكل الهجمات السيبرانية، والعمليات التخريبية، وحرب المعلومات ما يُعرف بـ الحرب الهجينة، حيث تتكامل الأدوات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والإعلامية في نسق موحد.
تكمن خطورة هذه الأدوات في تزامنها؛ فقد يعطل هجوم تقني خدمة حيوية، لتتبعه على الفور حملة معلوماتية تعيد توجيه الرأي العام نحو تفسير مضلل، كما يمكن لأزمة تموينية أو نقدية محدودة أن تتحول عبر الشائعات إلى حالة هلع جماعي، تماماً كما يتحول الاعتماد على مورد استراتيجي منفرد إلى ورقة ضغط سياسي فاعلة. المعادلة الجديدة لم تعد تبحث عمن يمتلك السلاح الأثقل، بل من يستطيع تدفيع خصمه الثمن قبل أن يستوعب الأخير أبعاد الهجوم ومصدره.
في النزاع التقليدي، يحدد المدافع هوية المهاجم ومسار الضربة بدقة، أما في المواجهات الحديثة، فقد تُستنزف الأسابيع في محاولة تتبع مصدر الاختراق، بينما تكون تداعياته قد تغلغلت في مفاصل الدولة. ولعل السلاح الأكثر خطورة ليس ما يطال المنشآت المادية، بل ما يستهدف العقل الجمعي واستقرار الأفراد؛ فالشائعة لا تتطلب إجماعاً لتحدث أثرها، بل يكفي أن تزرع الشك أو تجد صدى لدى شريحة كافية. وحين يغيب التمييز بين الخبر الموثق والمفبرك، يتحول الفضاء الإعلامي إلى مسرح عمليات مفتوح.
زاد دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي من تعقيد المشهد؛ إذ لم يعد تزييف الصور والأصوات والمقاطع المصورة بحاجة إلى إمكانات إنتاجية معقدة، بل باتت الأدوات متاحة للجميع بسرعات فائقة. هذا التطور فتح الباب أمام أنماط جديدة من التلاعب والتضليل والاحتيال. التحدي الأساسي لا يكمن في تفوق الكذبة، بل في سبقها الزمني؛ فالخبر المضلل يبلغ الملايين في دقائق، بينما يتطلب التحقق والنفي ساعات قد لا تبلغ الجمهور ذاته، مما يؤدي إلى تشكيل قرارات ومواقف وسلوكيات متسرعة يصعب احتواؤها لاحقاً.
يتحول الإعلام المهني في هذا السياق إلى ركيزة للأمن الوطني، متجاوزاً دوره التقليدي كناقل للأنباء؛ فالإعلام الذي يلتزم التحقق الصارم، ويفصل بين الوقائع والآراء، ويتجنب الإثارة وقت الأزمات، يحمي النسيج المجتمعي من الوقوع فريسة للعبث والاستقطاب.
بالتوازي مع ذلك، تبرز الجبهة الاقتصادية كساحة صراع موازية؛ فقد تحول الاعتماد المتبادل إلى سلاح ذي حدين. التجارة التي كانت أداة للتقارب قد تصبح أداة للضغط، ومصادر الطاقة قد تتحول إلى أوراق تفاوض سياسي، والرقائق الإلكترونية—التي تدخل في تصنيع كل شيء من المركبات حتى المنظومات الدفاعية المتقدمة—غدت محوراً للتنافس الجيوسياسي. النفط، والغاز، والمياه، والمعادن النادرة، والموانئ، والممرات البحرية، وكابلات البيانات الممتدة في أعماق البحار، لم تعد مجرد أرقام تجارية، بل مفاصل حاكمة في ميزان القوى العالمي؛ حيث تدور المنافسة الكبرى ليس فقط حول حجم الإنتاج، بل حول التحكم في مسارات تدفقه وتأمينها.
تفرض هذه المعطيات مفارقة واضحة: لقد جعلت التكنولوجيا العالم أكثر ترابطاً، لكنها جعلته في الوقت ذاته أكثر هشاشة أمام أي انقطاع في سلاسله الحيوية. الهاتف الشخصي، والمنظومة المصرفية، والأنظمة الصحية الرقمية، والموانئ التجارية، ومحطات الكهرباء، أصبحت جميعها أهدافاً استراتيجية تمس أمن الدولة بصورة مباشرة، وإن خلت من الطابع العسكري المباشر.
يستلزم هذا الواقع تغييراً في منهجيات الاستعداد الوطني؛ فلا يمكن الاكتفاء بتحديث المنظومات العسكرية التقليدية مع إبقاء القطاعات المدنية تعمل بالآليات السابقة. يتطلب الصمود المعاصر:
- بناء بنية تحتية مرنة وقادرة على التعافي السريع من الصدمات.
- تنويع مصادر الطاقة وسلاسل الإمداد للسلع الاستراتيجية.
- تأمين شبكات اتصالات وأنظمة معلوماتية بديلة ومحمية بأعلى المعايير.
- تدريب الكوادر في المنشآت الحيوية على التعامل مع سيناريوهات الطوارئ المركبة.
- تعزيز الوعي المجتمعي ليكون المواطن خط دفاع استباقي ضد حملات التضليل والترهيب النفسي.
لا يعني هذا تراجع أهمية الجيوش أو اندثار دور السلاح التقليدي في معادلات الردع، بل يعني أن دائرة المواجهة اتسعت لتشمل أركان الدولة برمتها؛ فالمواطن، والاقتصاد، والمعلومة، والطاقة، والتكنولوجيا، والصناعة أصبحت حلقات مترابطة في منظومة دفاعية واحدة.
إن القوة الحقيقية في العصر الحديث لا تكمن فقط في القدرة على توجيه الضربات، بل في امتلاك المرونة اللازمة للصمود حين يسعى الخصوم إلى التعطيل والإسقاط دون إطلاق رصاصة واحدة. لقد كانت حروب الأمس تعلن عن نفسها بضربات واضحة، أما حروب اليوم فتتسلل عبر مسارات رقمية واقتصادية غير مرئية؛ حيث قد لا تدوي أي نيران، بل تتبدل أرقام على شاشة، أو تتوقف شبكة، أو تهتز سوق، أو تتآكل ثقة مجتمعية. وعندما تظهر النتائج، لن يكون التحدي معرفة من بدأ الهجوم، بل الإجابة عن سؤال أكثر إلحاحاً: كيف نوفر الحصانة الشاملة للدولة قبل أن تبدأ المعركة دون أن نراها؟
