
بقلم: د. سارة مصطفى
مدرس التغذية وعلوم الأطعمة – كلية التربية النوعية، جامعة عين شمس
مع انطلاق كل عام دراسي، تستنفر البيوت طاقاتها لإعداد الطلاب؛ وتتجه الأنظار تقليديًا نحو الأدوات والمناهج وساعات الاستذكار. غير أن معادلة التحصيل العلمي تفتقر إلى ركنها الأساسي إذا أُغفلت «الحقيبة غير المرئية» التي يحملها الطالب يوميًا إلى فصله: نوعية غذائه، ومستوى ترطيب جسده، وساعات نومه.
التركيز الذهني ليس قرارًا إراديًا يُتخذ بمجرد الجلوس إلى المكتب، بل هو عملية فسيولوجية تتطلب إمداد الدماغ — العضو الأعلى استهلاكًا للطاقة — بالعناصر الحيوية الضرورية لعمله بكفاءة.
فجوة الشبع والقيمة الغذائية
يقع كثير من أولياء الأمور في خطأ اختزال التغذية في كمية الطعام المتناول لا جودته؛ إذ قد يشبع الطالب من وجبة تفتقر إلى البروتين الجيد والألياف والمغذيات الدقيقة.
الحصول على تغذية داعمة للتحصيل الدراسي لا يتطلب ميزانيات باهظة أو البحث عن «أطعمة خارقة»، بل يرتكز على قاعدة التنوع والتوازن:
- كربوهيدرات معقدة لتوفير طاقة مستدامة.
- بروتينات متنوعة لبناء الخلايا ودعم النواقل العصبية.
- دهون صحية وخضراوات لتعزيز الوظائف الحيوية.
محددات الأداء الذهني اليومي
- وجبة الإفطار: هي نقطة الانطلاق الفسيولوجية لليوم الدراسي؛ وتفويتها يدفع الطالب نحو الأطعمة فائقة التصنيع والسكريات السريعة. ويكفي أن تكون الوجبة متوازنة وعملية (مثل: البيض مع الخبز الكامل والخضار، أو البقوليات، أو الزبادي مع الشوفان).
- خرافة السكر والنشاط الذهني: رغم اعتماد المخ على الجلوكوز، إلا أن السكريات المضافة تسبب تذبذبًا حادًا في مستويات الطاقة يتبعه هبوط سريع في التركيز. البديل العلمي هو الاعتماد على الكربوهيدرات المعقدة والفواكه.
- كفاءة الأكسجين (الحديد): يلعب الحديد دورًا محوريًا في تكوين الهيموجلوبين ونقل الأكسجين إلى الأنسجة والدماغ. وترتبط الأنيميا ونقص الحديد مباشرة بالإجهاد السريع وتشتت الانتباه؛ ويمكن تعزيز امتصاص المصادر النباتية له بدمجها مع فيتامين (C).
- الأحماض الدهنية (أوميجا-3): تشكل عنصرًا بنيويًا لأغشية الخلايا العصبية (خاصة DHA)، وتعد الأسماك مصدرها الرئيس. ورغم أهميتها، تظل جزءًا من منظومة غذائية متكاملة وليست حلًا سحريًا منفردًا.
«صندوق الغداء» والترطيب المستمر
يمثل «صندوق الغداء» (Lunchbox) ركيزة استقرار الطاقة خلال ساعات الدوام الطويلة. وتتحقق كفاءته بتطبيق معادلة بسيطة: (بروتين + نشويات معقدة + خضار أو فاكهة + ماء).
وبالمثل، يُعد الترطيب حجر الزاوية المنسي؛ إذ يؤدي نقص شرب الماء إلى الصداع وضعف الاستجابة المعرفية، ما يجعل استبدال المشروبات الغازية والعصائر المحلاة بالماء ضرورة دراسية وصحية.
التغذية ضمن نمط الحياة المتكامل
لا يمكن عزل الغذاء عن بيئة الطالب العامة؛ إذ تفقد التغذية السليمة أثرها في ظل الحرمان من النوم المنتظم أو غياب النشاط البدني. كما أن سلوك الطفل الغذائي يتشكل بالقدوة المنزلية والممارسات اليومية للأسرة، وليس بالتوجيهات الشفهية أو قوائم الممنوعات.
إن بناء التحصيل المعرفي يبدأ من تهيئة الجسد والعقل لاستيعاب هذا العلم. وقبل مطالبة الطلاب بالتفوق الدراسي وساعات المذاكرة الطويلة، يتعين التأكد أولًا من تلبية احتياجاتهم الحيوية التي تمنحهم القدرة على الإنجاز.
